إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
199
الاعتصام ( تحقيق الشقير والحميد والصيني )
فَتَوَجَّعَ وَاسْتَرْجَعَ ، ثُمَّ قَالَ : ( قَوْمٌ أَرَادُوا وَجْهًا مِنَ الْخَيْرِ فَلَمْ يُصِيبُوهُ ) ، فَقِيلَ لَهُ : يَا أَبَا مُحَمَّدٍ ، أَفَيُرْجَى لَهُمْ مَعَ ذَلِكَ لِسَعْيِهِمْ ثَوَابٌ ؟ قَالَ ( 1 ) : ( لَيْسَ فِي خِلَافِ السُّنَّةِ رَجَاءُ ثواب ) ( 2 ) . وَأَمَّا أَنَّ صَاحِبَ الْبِدْعَةِ تُنْزَعُ مِنْهُ الْعِصْمَةُ وَيُوكَلُ إِلَى نَفْسِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ ( 3 ) ، وَمَعْنَاهُ ظاهر جداً ، فإن الله بَعَثَ إِلَيْنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ حَسْبَمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ ، وَقَدْ كُنَّا قَبْلَ طُلُوعِ ذَلِكَ النُّورِ الْأَعْظَمِ لَا نَهْتَدِي سَبِيلًا ، وَلَا نَعْرِفُ مِنْ مَصَالِحِنَا الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا قَلِيلًا عَلَى غَيْرِ كَمَالٍ ، وَلَا مِنْ مَصَالِحِنَا الْأُخْرَوِيَّةِ قَلِيلًا وَلَا كَثِيرًا ، بَلْ كَانَ كُلُّ أَحَدٍ يَرْكَبُ هَوَاهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ( مَا فِيهِ ) ( 4 ) ، وَيَطْرَحُ هَوَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ ، فَلَا يَزَالُ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ وَالْفَسَادُ فِيهِمْ يَخُصُّ وَيَعُمُّ ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَوَالِ الرَّيْبِ وَالِالْتِبَاسِ ، وَارْتِفَاعِ الْخِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ النَّاسِ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ } إِلَى قَوْلِهِ : { فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ } ( 5 ) ، وقوله : ( { كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً } معناه : فاختلفوا فبعث الله النبيين كما قال ) ( 6 ) { وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا } ( 7 ) .
--> = وبعيسى بن دينار انتشر مذهب مالك بالأندلس . توفي سنة 234 ه - . انظر : ترتيب المدارك للقاضي عياض ( 1 / 534 ) ، شجرة النور الزكية لمحمد مخلوف ( ص 63 - 64 ) ، تقريب التهذيب ( 2 / 360 ) . ( 1 ) في ( ت ) : " فقال " . ( 2 ) أكثر الأقوال في المراد بأهل الأعراف أنهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم ، وقد أورد الإمام السيوطي في الدر المنثور عند ذكر آية الأعراف أحاديث تدل على أنهم قوم قتلوا في سبيل الله وهم عاصون لآبائهم ، فمنعوا الجنة بمعصية آبائهم ، ومنعوا النار بقتلهم في سبيل الله . انظر : الدر المنثور ( 3 / 464 - 465 ) ، فتح القدير للإمام الشوكاني ( 2 / 209 ) ، ولعل هذا المعنى أقرب إلى مراد يحيى بن يحيى فيما نقل عنه . وهذا القول ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك ( 3 / 391 ) . ( 3 ) تقدم ( ص 105 ) . ( 4 ) ساقطة من ( خ ) . ( 5 ) سورة البقرة : آية ( 213 ) . ( 6 ) ما بين المعكوفين أثبته من ( غ ) و ( ر ) ، وهو ساقط من بقية النسخ . ( 7 ) سورة يونس : آية ( 19 ) .